لقد كان شهر نيسان عام 1982 م وكنت قد وصلت لتوي إلى بيروت كمراسل صحفي عن جريدة نيويورك تايمز. سرعان ما سمعت قصصا مروعة عن تمرد كان قد حصل خلال شهر شباط في مدينة حماة السورية بقيادة جماعة الإخوان المسلمين السورية. الوصف كان بالكلام حيث لم يكن هناك حينئذ (انترنت أو هواتف محمولة). حافظ الأسد كان قد سحق الثائرين بقصف جميع أحياء حماة. بعد القصف عمل على أن يفجر الأبنية بالديناميت لكي تتهدم وتتساوى مع الأرض، قسم منها كان مازال البعض من سكانها بداخلها.
هذا ما دفعني إلى الحصول على تأشيرة دخول إلى سورية. كان ذلك متزامنا مع إعادة فتح الطرق إلى مدينة حماة. النظام السوري كان يشجع السوريين على العبور من حماة لكي يشاهدوا المدينة المقهورة ويأخذوا العبرة منها.
فما كان مني الا أن استقلت سيارة أجرة ومضيت إلى هناك، لقد كان ذلك شيئا مذهلا رقع الأرض التي كانت الأبنية مشادة
عليها، تم تحويلها باحتراف إلى حدائق عامة كل منها في مساحة ملعب كرة قدم. لو انك ركلت التراب بقدميك لظهرت قطعة من الألبسة أو كتاب مهترئ أو قطعة حذاء. منظمة العفو الدولية قدرت عدد الضحايا الذين قتلوا حينئذ بحوالي 20000 شخص. لم أشاهد قط في حياتي كلها وحشية بهذا الحجم. وفي كتاب كتبته فيما بعد أعطيت الكتاب عنوانا باسم ( قوانين حماة).
قوانين حماة هي أن لاقوانين البتة.هي أن تفعل كل مايستوجب فعله للبقاء على كرسي السلطة. ليس فقط أن تهزم أعداؤك بل يجب أن تنسفهم في عقر دارهم ومن ثم تسحقهم بحيث أولادهم وأولاد أولادهم لن ينسوا ذلك ابدآ ولا حتى ان يكون لديهم المقدرة بأن يحلموا في تحدي مشيئتك مرة أخرى.
حسنا ثلاثون سنة انقضت، أولاد هؤلاء الأطفال السوريين قد نسوا ولقد تخلصوا من خوفهم هذه المرة من كل حدب وصوب. نعم ليس فقط الإخوان المسلمون يثورون في مدينة واحدة فقط. الآن أنهم الشباب من كل أنحاء سورية.
نافتجي ضيلون و طارق يوسف يعملان محررين في ( جيل في الانتظار) الوعود الغير مكتملة للشباب في الشرق الأوسط ذكروا بان أعداد الشباب بين سن 15 وحتى 29 في الشرق الأوسط قد ارتفع من 67 مليونا عام 1990 إلى مئة مليون شخص . الكثير من الوعود التي وعدتها حكوماتهم عن منح الفرص المؤدية إلى العمل، الزواج، توفير السكن و بان يكون لهم دور وصوت في صياغة مستقبلهم. كل هذا لم يتحقق وهذا ما ادى إلى تفجر هذه الثورات البركانية.
لكن سورية ليست النرويج . ومطلب الديمقراطية ليست المسرحية الوحيدة التي تلعب على الخشبة. هناك في سورية أيضا تجمعات قبلية بشكل كبير وسورية بلد يحتوي على انقسامات طائفية شتى . أقلية الشيعة العلويين بقيادة الأسد والتي تسيطر على الحكومة، الجيش والأجهزة الأمنية . العرب السوريين السنة الذين يشكلون الأغلبية العظمى، الكرد، المسيحيين و الدروز .
عندما بدأت الاحتجاجات في سورية بدات بلا عنصرية ولا طائفية و لاعنف . جاءت تعبيرا عن رغبة الشباب السوريين أن يعاملوا كمواطنين ذو حقوق وكرامة. فما كان من الأسد الا أن واجههم بقوانين حماة، ما ادى ذلك لاحقا إلى اللجؤء للعنف المضاد كنتيجة طبيعية لما يحدث.
هذا الشئ عزز المخاوف الطائفية لدى جميع الأطراف. الآن من الصعب أن نقول أين تتوقف مطالب الثورة الديمقراطية. وأين تبدأ المطالب الطائفية.
الرغبة الفجة عند الاغلبية السنية السورية بإسقاط حكم الاقلية العلوية قد بدأت تنضج. لهذا نجد اغلب العلويين يهرعون لنجدة الأسد. كذلك بعض السنة المنتفعة من السلطة. خاصة في حلب ودمشق.
هؤلاء العلويين المواليين للسلطة والسنة يرون الفوضى والشغب في مصر. و يناجون انفسهم : الأسد ام الفوضى؟
عندئذ الأسد هو الخيار . ماذا نفعل؟ نريد انتقالا سلميا للسلطة . من الأسد من الحكم الفردي إلى حكم أكثر تعددية سياسية لا نريد حرب أهلية في سورية. التي من شانها أن تهدد استقرار المنطقة بالكامل.
تذكر بان مصر تفجرت داخليا، ليبيا تفجرت داخليا وتونس تفجرت داخليا ففي سورية سوف يكون انفجارها داخليا و خارجيا !
لا اعرف ما الذي يعد كافيا لإقناع الأسد بالتخلي عن السلطة لحكومة وطنية موحدة. لكني اعرف ماهو الضروري عمله: عليه أن يخسر العاملان الداعمان لنظامه الا وهما عامل الصين وروسيا وإيران اولا، على الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الإسلامية و العربية أن تمارس المزيد من الضغوط على موسكو وبكين وإيران من اجل وقف دعمهم لقتل الأسد للمدنين العزل من شعبه. بالنسبة الى روسيا فانها قد لاتهتم لرأي الولايات المتحدة ولكنها ستهتم لمواقف الأمم الأخرى.
أما العامل الثاني: يستطيع السوريون فقط التغلب عليه وهو انقسام المعارضة السورية الذي مازال قائما . على السوريين إيجاد السبل الكفيلة بتوحيد صفوفهم . وكذلك من الأهمية بمكان الاتصال بالعلويين والمسيحيين والتجار السنة والعمل على طمأنتهم بان مصالحهم ستكون محفوظة في سورية الجديدة لكي يتخلوا عن الأسد فبدون العمل على تحقيق هذا الاشياء لن يكون هناك أية فائدة من كل ما يجري .
بقدر ما تتحد وتنتظم كافة المكونات السورية في الاحتجاجات وتوضح للسوريين وأيضا للعالم بأنهم بصدد إقامة سورية جديدة و تعددية، فيها يعامل الجميع كمواطنين متساويين بقدر ما يصبح الأسد اضعف . وبقدر ما يظهر بان سورية مابعد الأسد ستكون دولة لديها الفرصة للاستقرار وستكون جديرة بتحقيق مستلزمات العيش اللائق للمواطن السوري.
كلما بقيت المعارضة السورية على انقسامها كلما اشتدت شوكة الأسد و تشبث به البعض من السوريين خوفا من الفوضى والمجهول وكلما نجا هو بنفسه باللجوء إلى تطبيق قوانين حماة.
كاتب المقالة توماس فريدمان كاتب وصحافي امريكي
حائز على جائزة بوليتزر ثلاث مرات
كتب العديد من الكتب الاكثرمبيعا
ترجمة فرمز حسين
عن صحيفة انترناشيونال هيرالدتريبيون الامريكية 16/02/2012