والحل الامني والخيار العسكري العنيف لأنظمة الحكم في تلك الدول لمجابهة ثورات شعوبها المطالبة باسقاط النظام، وقد نجح مطلب الشعب الليبي بتغيير حكم معمر القذافي بفعل تعاون وتنسيق عسكري دولي من قبل حلف ناتو، ولكن هذا التدخل ما زال غائبا لوقف الرد العسكري الجبهوي لنظامي بشار الاسد وعلي عبدالله صالح في دمشق وصتعاء المتسم باستخدام جميع صنوف الاسلحة الثقيلة المستخدمة في الحروب بين الدول، ولهذا ما زال الشعبان الثائران في سوريا واليمن يدفعان منذ ثمانية اشهر ضريبة يومية من الارواح والدماء الزكية لنيل الحرية والكرامة الانسانية.
ولغرض انجاح الانتفاضتين في سوريا واليمن من خلال الاستفادة من نجاح الثورتين في تونس ومصر بفعل المظاهرات السلمية للشباب وحيادية الجيش، واستنباط الدروس والعبر والأدوات والوسائل من هاتين التجربتين انسانيا وامميا وعلى النطاق العربي والاقليمي والعالمي، نطرح مسودة مبادرة الى الرئيس الامريكي باراك اوباما والسكرتير العام للأمم المتحدة بان كي مون والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون، لتبنيها على مستوى مجلس الامن الدولي والجمعية العامة للمنظمة الدولية، وهي تتضمن خارطة طريق عملية لدعم الشعبين الثائريين في سوريا واليمن والشعوب التي تثور سلميا ومدنيا مستقبلا ضد انظمتها المستبدة في الشرق الاوسط وشمال افريقيا والمناطق المحيطة بهما لنيل الحرية والكرامة وارساء الديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية، ومن طبيعة الحال فان افكار المبادرة مستنبطة من الوقائع الميدانية والاحداث المحلية والاقليمية والدولية التي احاطت بثورة الشعب في كل من تونس ومصر.
والافكار الرئيسية الواردة في مسودة المبادرة الاممية لانجاح الثورتين السورية واليمنية والثورات اللاحقة للربيع العربي، تتضمن وسائل سلمية ومدنية ودبلوماسية وسياسية لا علاقة لها بالمسائل الأمينة والعسكرية والتدخلات الدولية، وهي تبقى ضمن الاطار العام للوثائق واللوائح الدولية ومراعية لضمان السيادة الوطنية، وفيما يلي نص المبادرة:
1. وضع الجيش والمؤسسات والاجهزة العسكرية في الدول التي تحدث فيها ثورات واحتجاجات شعبية سلمية على الحيادية وحساب عائديته ومرجعيته للشعب والدولة وليس للنظام الحاكم.
2. تحديد تعامل المؤسسات والأجهزة الأمنية مع المتظاهرين والمحتجين المدنيين فقط بالشرطة المحلية وفق لائحة قوانين تستند الى مبدأ احترام ملزم بحقوق الانسان وفق اللوائح الدولية.
3. سحب الاعتراف السياسي الأممي بنظام اي دولة يلجأ الى استخدام الوسائل العسكرية المتسمة بالعنف الشديد من اسلحة ثقيلة ومتوسطة وخفيفة ضد المتظاهرين والمحتجين المدنيين.
4. سحب السفراء وقطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية والثقافية والمالية، ووقف المساعدات والمنح والقروض المالية.
5. وقف شراء النفط والغاز والمواد التي تحسب ضمن الصادرات الاستراتيجية.
6. تجميد الحسابات والاصول المالية في المصارف والبنوك لجميع المسؤولين في حكومة ومؤسسات النظام المعني بهذه الاجراءات الاممية.
7. وضع خارطة طريق والية عملية دولية واقليمية لحماية المدنيين في الدول المعنية بهذه الاجراءات الدولية.
8. اللجوء الفوري الى المحكمة الجنائية الدولية للتدخل القضائي واتخاذ الاجراءات بحق المسؤولين في نظام الدولة المعنية بهذه الاجراءات عند حصول قتل فردي وجماعي وجرائم ابادة انسانية ضد المدنيين والمتظاهرين والمحتجين.
9. تشكيل هيئة دولية ضمن اطار واشراف الامم المتحدة خاصة بالتحولات الانتقالية لضمان ارساء النظام الديمقراطي وفق مساره الصحيح في الدول التي تتحرر شعوبها من حكامها المستبدين، وتخصيص مساعدات وبرامج دولية سريعة للعمليات الانسانية العاجلة في مرحلة التحولات.
10. تهيئة برنامج خاص لتطوير النظام الاداريى باشراف الامم المتحدة لتشكيل الحكومات المحلية في مرحلة ما بعد التغيير وارساء الديمقراطية وفق سياق ارادة المجموعات السكانية والوحدات الادارية والتخلص من سياسة النظام المركزي للدولة الذي سيطر على مجمل دول النظام العربي طوال العقود السابقة منذ الحرب العالمية الاولى وسقوط الدولة العثمانية.
بعد سرد الافكار الرئيسية للمبادرة، لا بد من القول ان الانسان في العالم العربي عاش في واقع متناقض نتيجة لاسباب سياسية وحالة من الركود التام مرت بها المنطقة لاكثر من قرن كامل، وتعرض الى تحولات وبيئات ومجابهات عنيفة من قبل الانظمة المستبدة والطاغية التي حكمت دول وشعوب المنطقة، وخاصة منها فقدان الهوية والمواطنة والحرية والكرامة والعدالة والوفاق الاجتماعي.
ولهذا فان التغييرات والثورات التي تحصل في واقعنا الراهن تسايرها اضطرابات واحداث سلبية وتدهورات حياتية وخدماتية، لاسباب ترتبط بشدة الرد العنيف للنظام ومطلب الشعب بالتغيير الجذري والتجديد الحيوي لنيل الحرية والكرامة وتحقيق الذات والمواطنة الحقيقية، والتطورات السريعة التي يشهدها تعامل المجتمع الدولي والتغييرات الاعلامية الكبيرة الجارية في العالم الذي نعيش فيه والمؤثرات الاقتصادية والسياسية والثقافية التي تفرضها القوى الرئيسية في العالم المتقدم وفقا لمصالحه واستراتيجياته الاقتصادية والسياسية والتجارية والأمنية، هذه التطورات تلزم الشعوب الثائرة التمسك بشدة بسلمية ومدنية ثوراتها واحتجاجاتها ومظاهراتها واضراباتها لأن المشهد الميداني بدأ ينقل بأسرع ما يمكن الى العالم بجهاز هاتف خلوي نقال وبواسطة شبكة الاتصال العالمية ومن خلالها الى وسائل الاعلام الدولية، وهذا ما ساعد على نقل سريع للحدث الثوري السلمي في المنطقة على مستوى الافراد والجماعات والمجموعات الى الرأي العام العالمي والاقليمي والمحلي.
ولهذا فان الثورات والتغييرات التي شهدتها بداية العقد الثاني للالفية الثالثة كانت حاسمة في احداث تحولات جذرية في واقع العالم العربي، وحظيت باهمية بالغة اقليميا وعالميا لتعلقها بتحديد مصير حياة شعوب المنطقة، وبفضل هذه الثورات فان العقد الجاري بعد نجاح جميع ثورات الربيع العربي سيتميز بمرحلة مستقرة، ولكن ضمان نجاح الثورات الجارية والثورات اللاحقة بحاجة الى هذه المبادرة الاممية لضمان الحياة الكريمة لكل انسان في هذه المنطقة الحيوية من العالم في ظل عالم اتسم بالتذبذب وفقدان الهوية والتنمية على مدى قرن كامل، ولهذا نأمل ان تكون هذه البادرة الاممية المتواضعة الموجهة الى الرئيس الامريكي والسكرتير العام للامم المتحدة عاملا مساعدا لصالح تحقيق آمال الشعوب الثائرة لارساء واقع جديد مفعم بالأمل والأمان لضمان الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة والرفاهية والسعادة لجميع شعوب المنطقة بعيدا عن الأنظمة المستبدة.
كاتب صحفي – كردستان العراق